وطبخنا معاً مقلوبة!

المقلوبة جاهزة

في المجتمع الياباني، حيث تغلب اللباقة وعدم التطرق لمواضيع أو تعليقات قد تزعج أحداً ما على أحاديثهم اليومية، أتلقى في المنطقة التي أسكن فيها أو في الجامعة أسئلة عشوائية عن بلدي، وعن ثقافتنا العربية، وعن عاداتنا الأردنية وبالطبع عن الإسلام. وفي أغلب الأحيان، عندما أقابل شخصاً للمرة الأولى، وبعد أن يعرف بأنني من الأردن وأتحدث اللغة العربية، يهرع أو تهرع إلى القول “أود أن أتعرف على ثقافة بلدك وطبيعة العيش فيها”. لكنني كنت أعتقد وقتها بأن هذه الجمل قيلت فقط من باب المجاملات وإكراما لي كضيفة بينهم، وأن ثقافتي أو ديني أو بلدي الذي بيعد 13 ساعة بالطائرة عن اليابان لا تعنيهم حقّاً، ولكن سرعان ما أثبت من حولي بأن ظنوني لم تكن في محلها.

كنت في زيارة لأحد المقاهي الثقافية والمنتشرة بكثرة في أوساكا، لأتناقش مع صاحبة المقهى عن بعض فرص العمل المتوفرة، فبطبيعتي أحب مقابلة أشخاص جدد وأعشق التعليم وهما أمران يوفرهما لي العمل في مقهى ثقافي. عندما أخبرتها أنني أود أن أُعلّم اللغة العربية -أجل اليابانيون شعب متعطش لتعلم لغات العالم، وسأحدثكم عن هذا في منشور منفصل لاحقاً- اقترحت عليّ أن نقوم بفعالية تعريفية تشجع من يحضرها على الإقبال على تعلم اللغة العربية. شردت للحظة، وقلت لها وأنا أمازحها ” ما رأيك أن نعلمهم طبخة أردنية؟” لكنها فاجئتني قائلة: ” هذه فكرة عظيمة، هكذا ستتاح لهم الفرصة للتعرف على ثقافتك ولغتك عن قرب وبطريقة ممتعة، فلنبدأ التحضيرات!”.

وبالفعل قمت باختيار الطبخة، وتحديد المقادير المطلوبة ومن ثم القيام بتصميم بسيط لبروشور الفعالية. كنت متحمسة  للغاية فأنا لم أعطي درساً في الطبخ من قبل حتى لصديقاتي فكيف بفعالية؟ ولكنني كنت أيضاً قلقة، فهل حقّاً سيهتم أحدهم بالحضور وخصوصاً أنها ستكون يوم الأحد -يوم العطلة المقدسة في اليابان- وسيتوجب عليهم أيضاً دفع مبلغ مقابل ذلك. وبين الحماس والقلق أكملت التحضيرات وانتظرت اليوم الموعود بفارغ الصبر.

مكونات المقلوبة

صبيحة يوم الأحد 5/8، توجهت إلى شينسايباشي حيث يقع المقهى، ومعي عدة الطبخ. وفي مطبخ المقهى، بدأت بتحضير الدجاج وساعدتني متطوعة في تقشير وتقطيع الجزر والبطاطا. قدمت صديقتي اليابانية يوكيكو، والتي ستساعد في الترجمة إلى اليابانية، وانتظرنا سويّة الحضور. ولا أستطيع أن أصف كمّ المفاجأة والسعادة التي غمرتني عندما حضر 15 شخصاً، نصفهم من الرجال، وعيونهم تتلألأ حماساً لمعرفة ما سأقدمه لهم.

طبخ مقلوبة في أوساكا

وقفت أمامهم وبدأت أشرح لهم مكونات طبق اليوم وهو طبقي المفضل “المقلوبة“! كانت أعينهم موجهة إليّ بتركيز عالٍ وآذانهم صاغية لكل ما أقوله، ولغة أجسادهم تقول أخبرينا بالمزيد.

التحضير للمقلوبة

شرحت لهم خطوات العمل ببساطة وقسمتهم إلى مجموعات: مجموعة تقوم بطبخ الدجاج، ومجموعة تقوم بقلي الخضراوات، ومجموعة تقوم بتقطيع الخيار من أجل سلطة اللبن بالخيار ومجموعة أخيرة تقوم بتبهير الرز. وأثناء قيامهم بذلك، أخبرتهم عن الأردن، عن بعض من عاداتنا وتقاليدنا، وعن لغتنا العربية، وعلمتهم بعض الكلمات البسيطة كالتحية والشكر.

تحضير سلطة الخيار باللبن

وعندما أنهينا تحضير كل المكونات، وضعناهم في طنجرتين على النار وانتظرنا أن تجهزا. أردت أن يذوقوا قهوتنا فشرعت أحضرها أمامهم، ومن جمال الصدف أن أحضرت صديقتي يوكيكو الجبة والحطة والعقال وقام شاب بريطاني بلبسها وهو يردد قائلاً ” يا للروعة أنا لورنس العرب الآن!”.

13178696_1027768620611674_2983244481335605710_n

جهزت المقلوبة وحان الآن لحظة قلبها على طبق ككعكة جميلة، تطوع شب ياباني للقيام بعملية القلب وكم كان الحماس واضحاً في وجوه الحاضرين عندما نزلت المقلوبة كاملة، والتمعت عيونهم فرحاً عندما بدأوا بتناولها بصحبة سلطة اللبن الباردة.

لحظة قلب المقلوبة

المقلوبة ممتازة

أثناء استمتاع الجميع بوجبة الغذاء سألني العديد عن الفرق بين “الحلال” و”الحرام”؛ وهذا سؤال يهمهم جداً لأن بعضهم يعتقد أن المسلمين يمتنعون عن اللحوم لكونهم نباتيين، أو أن “الحلال” هو أسلوب طبخ عالمي مثله مثل الطبخ الفرنسي والإيطالي وغيرهما.

نقاشات أثناء الفعالية

كانت هذه الفعالية ناجحة بكل المقاييس استطعت من خلالها أن أعرّف الناس على ثقافتي ولغتي وبلدي بأسلوب بسيط وشيق، وأسعدني تفاعل الحاضرين معي، وتجربة أتمنى أن تتكرر مجدداً في المستقبل القريب.

وأخيراً طبخنا مع اليابانيين مقلوبة…والحمدلله طلعت زاكية!

ملاحظة: زاكية تعني لذيذة.

14 thoughts on “وطبخنا معاً مقلوبة!

  1. و انا بقرأ كنت متحمسه جداً كمان

    شيء رائع جداً و حركه جميله في دوله زي اليابان!!
    موفقه :))

  2. المدونة رائعة جدا تجعلنا أقرب مما لا يمكننا أن نراه فى اليابان ..
    لطالما تخيلت أن اليابانيين منغلقين بعض الشىء لكن أدهشنى حضورهم لهذه الفعالية وتفاعلهم معك هذا جميل جدا .

    • اليابانيين ينفتحون شيئا فشيء لكن هذا الأمر سيستغرق بعض الوقت.
      شكرا لمتابعتك 🙂

  3. وااااو شي كتير حلو! ونتمنى تكراره. بالمناسبة اليابانيين متقبلين جدا لأكل الشرق الاوسط، ذهبت مع صديقي في ناجويا مرة لمطعم مصري وكان معانا يابانيين واتبسطوا جدا بالأكل والمكان ووعدونا يكرروها : D
    ومبروك الشكل الجديد للموقع (Y)

    • الجميل في اليابانيين عدم ممانعتهم لمتعة تجربة شيء جديد وخصوصا الطعام!
      شكرا لمتابعتك وان شاء الله نسعى لتطوير شكل الموقع أكثر فأكثر

  4. الله يعطيكي العافية اخت جهاد … فعلا انا اندهشت من اهتمامهم بحضارتنا وتقاليدنا ودينا وحتى اكلنا … اليابان اعشقه واتمنى مش بس ازوره واعيش فيه .لانو مجتمع رائع بكل مافي الكلمة من معنى…الله يوفقك

    • أهلا بك. توجد فرص بجسب المؤهلات واللغات التي تجيدها. لكن اجادتك للغة اليابانية عامل مهم للغاية في حصولك على وظيفة هنا بغض النظر عن الجنسية.

  5. الله يسعدك يارب ويوفقك في الدنيا والاخره
    احببتك من اول يوم رأيتك فيه
    واعجبتني شخصيتك ومدونتك جدا
    انتي فعلا فخر لنا جميعا

    الله يجمعنا بالفردوس الاعلى من الجنه ❤

    • حبيبتي أروى، الله يسعدك عكلماتك ما أحلاها. الله يديم المحبة ويجمعنا بالخير <3

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*